الوحدة العضوية والوحدة الموضوعية

 

عملية الترابط بين المفردات عملية مهمة في السبك،  فالرابط الذي يجمع المفردات يحقق للقصيدة التماسك الذي تطلبه الكتابة الأدبية، لهذا يلزم على الشاعر المجيد المضي قدما في طريق يتبعه مفردات نصه الأدبي، وألا يشعر المتلقي بأنه يحاول رص كلماته جنبا إلى جنب بصورة مفتعلة وغير تلقائية، مما يفقد النص بريقه الإبداعي الذي يتعايش معه المتلقي تحت مظلة الصدق والعفوية.

 

وقد وضع النقاد في القرن الحديث مصطلحات مهمة، توضح مدى أهمية تماسك القصيدة بدءا من الوحدة العضوية إلى الوحدة الموضوعية. فالوحدة العضوية تحقق الترابط بين شطري البيت و وبين أبيات القصيدة شكلا بالروابط، وتتابعا باستمرار الحدث الذي ينقلنا إلى الوحدة الموضوعية، ليكون للنص الأدبي موضوع معين بدلا من تغير محاور النص الأدبي إلى مواضيع عديدة، لا يجمع بينها إلا وجودها داخل هذا النص. لذلك نلاحظ الشاعر الذي يبدع القصائد تحت مسئولية الوحدة الموضوعية ينتهي من القصيدة بنهاية موضوعه، كما في القصيدة التالية:

 

يا ليت رشك من عرق منك     إن كان بيغذيني أعوام
أنته الذي ما ينصبر عنك        تحيي وتميت مثلي أنام
عساني أحظى من عرق منك    وآفوز بالجنة و الأنعام
و اتزيح م الخاطر شقا وضنك     يا منوتي و هموم واسقام

 

الموضوع الذي بدأ به الشاعر استمر به ثلاثة أبيات، وحين انتهى منه لم يستمر في إطالته بحجة قلة عدد الأبيات، بل استطاع بكل مهارة وضع نقطة نهاية السطر، كما نلاحظ ذلك بعد دخول فعل (واتزيح) في البيت الأخير توافقا مع (عساني) من البيت الذي يسبقه، وكذلك (منوتي) فهي غير متناسقة مع (هموم،أسقام)، بل أبدع الشاعر حين ربطها بالوحدة الموضوعية (عساني أحظى منك يا منوتي) في تماسك جميل وترابط فني رائع.

                               

توافق السبك مع الوحدة العضوية والوحدة الموضوعية للقصيدة ركن من أركان نجاح القصيدة انلاحظ ذلك:

 

ويه ٍ باسم نسيمه     واتحف به لفراح
وعين ٍ حورا عديمة    فيها الدعايا اصحاح

 

استهلال الشاعر بالمبتدأ من دون تعريف، أي (ويهٍ) بدلا من (الويه)، تعني الكثير في سبك الجملة الشعرية الأولى وصولا إلى الوحدة العضوية والموضوعية للقصيدة، فالمفردة المعرفة تحتاج لبيان أمر يخص المفردة أو تداعيات العالم الخارجي معها، بعكس المفردة النكرة فإنها تحتاج لوصفها وبيان مميزاتها الداخلية، لذلك نجد القصيدة تتجه للوصف وتنتهج السبك التي بدأت بها، فنلاحظ ارتباط شطري كل الأبيات ببعضها ناهيك عن ارتباط الأبيات كذلك، ففي البيت الأول ترتبط شطراها بواو العطف كما هو الحال بين البيت الأول والثاني ،وكذلك نجد الرابط (في) بالإضافة إلى ضمير (ها) الذي يعود إلى البيت الأول في تماسك مزدوج بين شطري البيت الثاني. وهكذا تستمر باقي الأبيات كما نلاحظ:

 

وصدر ٍ وزن تقسيمه    ونهود كالتفاح
وخصر هايف بريمه    يزهو فيه الوشاح
لو مر بأرض محيلة    سدّى عشبها وساح
ينعش نفس ٍ سقيمة   و تشفى من لنضراح

 

الملاحظة الأولى هي استمرار أسلوب السبك كما هو واضح من التنوين في مفردات (ويه ٍ، عين ٍ، صدرٍ، خصر ٍ، نفسٍ) في جميع الأبيات، ما عدا البيت الخامس ف (أرض) لا تنتمي للمفردات الأخرى التي تجتمع كونها جوارح الموصوف، بالإضافة إلى (نفس) الشاعر في البيت الأخير، والتي يراها جزءا من محبه بصورة غير مباشرة فيضمها إلى جوارح المحبوب، وهذا ما يتذوقه الحس المرهف للمتلقي من شاعر ٍ يتألق في ترجمة إحساسه بصدق.

 

الوحدة الموضوعية أو عدم كتابة القصيدة إلا ضمن موضوع معين لا ينتقل الشاعر منه إلى مواضيع أخرى ليس لها صلة بالموضوع الرئيسي للقصيدة، وهو مصطلح نقدي يقيم من خلاله النص الشعري، وقد تسبب هذا المصطلح في تقليل أبيات القصيدة، ناهيك عن الملل الذي يشتكي منه الشاعر والمتلقي مع الإطالة، لذا كان من المهم إيجاد حلول واضحة الملامح، وقد تغلب بعض الشعراء بأساليب متعددة ومنها عنصر المفاجأة، بحيث يبدأ بشتم حبيبته لجمالها أو التعبير عن سخطه وضيقه والأمور الأخرى، وما يعيب هذا الأسلوب هو عدم موافقة مقتضى الحال في أغلب الأحيان، والأمر الآخر هو عدم وجود آلية منظمة حيث نلاحظ العشوائية وانتحال الفرص ليتم بعد ذلك الشروع في استخدام هذه الأدوات،لهذا سمي بعنصر المفاجأة. وفي جانب آخر نجد بعض الشعراء، الذين برعوا في تقسيم قصائدهم بصورة منظمة إلى عدة محاور، متغلبين على رتابة الوحدة الموضوعية بهذه التغييرات التي نجد من أهم محاورها، محورا يتميز بعنصر الإثارة في تنظيم واضح الملامح، كما في قصائد الشيخ زايد وأسلوبه المميز:

 

حي بجيل عنا لي      ويا مرحبا به وحيّه
عد ماطر همّالي     في موسم الوسمية
وعد حبّات الرمالي   في الصحرا الصيدحيّة
من شاعرٍ مب سالي    عن مفرود الثنية
لي صوّبه في الحالي    صوب ٍ ماله دويّة

 

نلاحظ المحور الأول في الأبيات الثلاثة الأولى ويبدأ المحور الثاني من البيت الرابع إلى أن يبدأ محور الإثارة بعد عشرة أبيات:

 

لي ودّهم ما حالي      عذب ٍ حسين البيّة
بستان له وظلالي      زاخر بالعنبرية
وبنّاته في المجالي      إهيه إليه الحمية

 

لاحظنا في المقال السابق أسلوب الشاعر في المحافظة على الوحدة العضوية، بتقسيم القصيدة إلى عدة محاور، وتركيزه على عنصر الإثارة في أحد هذه المحاور، وينطبق هذا الحال على أغلب قصائد سموه ففي المثلوثة التالية:

 

شاعر وفيه الشوقي     ولا يذوقي     وطيب الغذا ما ياه
كم انتظر للشوقي       في طروقي     عيّا ولا وافاه

 

نلاحظ المحور الأول في القصيدة يبدأ بالحديث عن معاناة الدكتور مانع، ويبدأ سموه من البيت الثالث ليدخل المحور التالي، الذي يتميز بعنصر الإثارة قبل البدء بمعالجة الموضوع من البيت السادس:

 

بو يادل ٍ مطلوقي        من فوقي     غطّى الجسم واضفاه
خدّه شرى لبروقي    له ذوقي     بين المزن محلاه
بو همّص ٍ مرفوقي    م العوقي    سبحان لي سوّاه
دكتورنا به عوقي      ولا يفوقي      من معسول الشفاه

 

نلاحظ التهيئة اللازمة قبل الدخول إلى محور جديد، فالبيت السادس مزيج من محور الثاني والثالث الذي يبدأ سموه بمعالجة الموضوع فيه، بعد الإثارة التي أنعشت الموضوع  في المحور الثاني لنتبع آخر أبيات المثلوثة:.

 

قد مر  بي   هالعوقي           بالبوقي       يا شاكي من وزاه
سدّى و سرى ف عروقي      في الموقي    شيّد بيت وبناه
انته   خبير   الذوقي         ولا يعوقي      رمز الهوى معناه
لا تحطّ سدّك   فوقي       لخلوقي          تتناوله لوشاه
تكفا    جميع  العوقي       برفوقي         تسلم وتبقى وياه

 

وجدنا المحور الثالث مكملا للمحور الأول، ويبقي دور المحور الثاني حيويا في الحفاظ على عنصر التشويق أولا، وعلى تعدد المحاور في ظل وحدة موضوعية متماسكة تقدم للمتلقي قصيدة مكتملة الجوانب.

 

وقد يختلط على البعض الوحدة العضوية والوحدة الموضوعية، بالوحدة المنطقية و وحدة المتكلم، فالوحدة المنطقية تختلف عن الوحدة العضوية كونها لا تضم إلا عدم وجود تناقض في الكلام، وقد تجد تناقضا واضحا في الشعر كونه فلسفة التناقضات عند الشعراء[1] وأما عن وحدة المتكلم ووحدة الموضوع، فإن الفرق سيكون أوضح بعد المرور على الفقرات القادمة مع ملاحظة الالتفات في آخر فصل من هذه الدراسة.

 


 

[1] محمد زكي العشماوي:دراسات في النقد الأدبي المعاصر،ص 294، دار النهضة العربية، بيروت 1986

 

     العودة إلى صفحة البعد الآخر

مواقع أدبية لمراسلة الموقع سجل الزوار الصفحة الرئيسية

copyright www.uae20.com©2006